لنتعلم الإدارة من التراث العالمي -3 - قياس الأداء وتحسينه
 
 


لنتعلم الإدارة من التراث العالمي

 

إعتاد الباحثون والمدونون والكتاب، في جميع الثقافات، على توثيق وتخليد إقتباسات منقولة عن أصحاب الفكر والتجربة تتضمن حكمة وتقدم دروس ذات فائدة عظيمة.  هذه الإقتباسات أضحت موروث كبير يغني الثقافات ويضيف قيمة عظيمة  للبشرية جمعاء.  الإقتباسات الواردة في سياقنا هذا تتعلق بالإدارة ومنسوبة لباحثين وممارسين إداريين، نطق بها أشخاص لديهم المعرفة في سياق كتاب او مقالة او خطاب.  سنقوم، تباعاً بتناول إحدى هذه الإقتباسات بالشرح والتعليق بما يناسب خصوصية أوضاعنا، في منطقتنا العربية، وطبيعة إحتياجاتنا.

-3-

قياس الأداء وتحسينه

“What's measured improves”
?
Peter F. Drucker

" ما يمكن قياسه يمكن تحسينه " هذه مقولة مكررة يرددها الكثير من الباحثين، ولا يستبعد أن يكون بيتر دركر، وهو باحث إداري اميريكي مرموق، أول من قالها. 

تحسين الأداء يعلو قائمة أولويات جميع الإدارات الواعية الطامحة الإرتقاء بمؤسساتها إلى الأحسن.  وحتى لا تبقى عبارة " الإرتقاء للأحسن " ممجوجة ومكررة نود أن نؤكد أن الإرتقاء والتحسين يفترض أن يشمل أرباح المؤسسة ومبيعاتها وإنتاجيتها وجودة منتجاتها وظروف العمل بها وخلق فرص عمل وتحسين قدرتها على المكافئة والتعويض.  وهذا ما تطمح إليه جميع أنواع المؤسسات وتسعى إليه قلة منها.  فالتحسين ينبغي أن يكون نهجاً دائماً ويغطي كافة مناحي الأداء ليغطي جميع أنواع النتائج.

والتحسين، كنهج، نوعان.  فهناك التحسين المسمى " إعادة البناء "  re-design أو  re-engineering ويقصد بذلك " نفض " المؤسسة وإصلاحها جذريا.  أما الثاني فيسمى التحسين المستمر continouos improvement   ويقوم على إعتماد نهج التحسين بخطوات صغيرة ومستمرة على الدوام وبمشاركة جميع العاملين. 

من المؤسف القول أن إيمان أرباب العمل ومديري الشركات الصناعية والخدمية بهذا التوجه ضعيف، وإن حدث فغالبا ما لا يكون منهجياً ومنظماً.  فمن خلال عملي كإستشاري أقدم خدمات للمصانع لاحظت أن أصحاب المصانع الصغيرة يسعدون ويرضون بأرباح يستطيعون مضاعفتها لو إنتهجوا نهجاً تحسينياً بشكل منظم وعلمي.  هذا النوع من الرضا والقناعة مرفوض طالما هناك وسائل مشروعة للتحسين.  فالمقولة الدارجة " القناعة كنز لا يفنى " لا ينبغي أن تتحول لمعيق يشد إقتصاداتنا إلى الوراء.  فالتحسين يجب ان يكون مكون أساسي لإستراتيجية عمل إداراتنا ويسعون لتحقيقه على الدوام بشتى الوسائل وبجميع الأوجه.     

يربط بيتر دركر بين التحسين وقياس الأداء، فيؤكد أن ما يمكن قياسه يمكن تحسينه، وإلا فكيف سنعرف أن التحسين حصل.. لذلك ينبغي السعي لبناء نظم قياس لجميع جوانب الأداء تمهيداً لتحسينها.  وجوانب الأداء هذه تنقسم إلى قسمين؛ الأول قابل للقياس بسهولة وبالوسائل المعتادة، مثل الإنتاج ( بالعد ) والكفاءة ( بإحتساب نسبة مئوية ) والجودة ( نسبة مئوية ) والمبيعات ( بالعد ) وهكذا.  أما القسم الثاني فهو لجوانب أداء تبدو مجردة مثل الحالة المعنوية والدافعية وقدرات العاملين ورضا الزبائن وأنواع المخاطر التي قد تحد من إمكانية تحقيق هدف.  هذه جميعاً لا يمكن قياسها بميزان حرارة أو مكيال حجم ولا يمكن عدها، ولكن يمكن إتباع أسلوب بسيط بوضع مقياس من 0 إلى 5 أو من 0 إلى 10، والطلب من ثلاثة من الإداريين ( أو أكثر ) منح درجة للحالة المعنوية في المصنع من 0 إلى 5 كما يراها كل واحد منهم ثم إحتساب المتوسط، فيكون هذا المتوسط مقياس للحالة المعنوية ويمكن تحويله لنسبة مئوية ويمكن إدخاله في معادلات رياضية وغير ذلك من الإستخدامات.

كيف نعرف إذا ما كان القياس المستنبط يشير إلى نتائج جيدة أم سيئة؟.  ففي كلا القسمين من جوانب الأداء لا يقدم لنا الرقم شيئاً.  فهل 60% كفاءة مقبولة أم غير مقبولة؟.  وهل نسبة التوالف في الإنتاج البالغة 5% مقبولة أم غير مقبولة؟.  أي مؤسسة قديمة لها مقاييسها التي إستنبطتها على مر السنين، والمقارنة بهذه المقاييس تبين لنا ما إذا كان القياس ( النتائج ) مقبولة أم غير مقبولة.  وفي حال تعذر ذلك يلجأ الإداريون، في العادة، إلى التقييس benchmarking ، وهو المقارنة مع نتائج مصانع ومؤسسات مشابهة.

إذن فالقياس يبين لنا مواطن الضعف التي ينبغي التركيز عليها في عمليات التحسين، وبعد تطبيق أدوات التحسين بين لنا مقدار التحسين الذي حصل.  فهو يقيس التحسين كذلك، كما أنه يساعدنا على تقييم أساليب التحسين المتبعة.

قياس الأداء أمر هام وأساسي، وإن كان يحتاج إلى جهد ووقت وتكلفة، وتحسين الأداء نهج أساسي متعب ولكنه مثمر.

                                                                                      نديم أسـعد

 
 

 


تعليقات

لا يوجد تعليقات

الإسم 
البريد الإليكتروني (ليس للنشر)
التعليق
هل توافق على الانضمام لمجموعتنا البريدية؟
  أرسل

 

Counter